لماذا تقع الحوادث رغم وجود جميع الإجراءات والتصاريح؟
في أحيانٍ كثيرة، لا تحدث المشاكل بسبب نقص اللوائح، بل بسبب السلوك البشري (Behavior-Based Safety). وعلى مدار عقود، أثبتت التحقيقات في الحوادث الصناعية الكبرى أن الخطأ البشري لا يحدث من فراغ، بل هو نتيجة عدد كبير من التأثيرات. في هذا المقال، سنستكشف نموذج Make it Happen الذي يقدّم إطارًا علميًا مختلفًا تمامًا لفهم وتغيير سلوكيات السلامة والصحة المهنية.
لماذا قد تفشل الأنظمة التقليدية في منع الحوادث؟
لدينا سياسات وإجراءات وأنظمة تصاريح عمل معقدة، ومع ذلك تقع الحوادث. هذا الواقع يواجه كل محترف سلامة يوميًا في المواقع الصناعية. المشكلة الأساسية تكمن في أن معظم الأنظمة التقليدية تركز على الجوانب التقنية والإجرائية، بينما تتجاهل العامل الأهم: السلوك البشري (Behavior-Based Safety).
وفقًا لإحصائيات فإن الغالبية العظمى من حوادث العمل ترتبط بالعامل البشري بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا لا يعني أن العمال “مهملون” أو “غير مبالين”، بل يعني أن المنظومة التي تؤثر على قراراتهم تحتاج إلى فهم أعمق.
يُعدّ الدكتور هربرت هاينريش (H. W. Heinrich) الأب المؤسس لمفهوم السلامة القائمة على السلوك (Behavior-Based Safety). فبعد دراسته لعشرات الآلاف من الحوادث، توصّل إلى ما يُعرف بنسبة 88-10-2؛ أي أن من بين الأسباب المباشرة والفورية للحوادث: 88% تعود إلى تصرفات غير آمنة من العاملين، و10% إلى ظروف فيزيائية أو ميكانيكية غير آمنة، بينما 2% فقط حوادث حتمية يصعب منعها.
الفجوة بين النظرية والتطبيق
في كثير من المواقع، نجد أن العمال يعرفون الإجراءات الصحيحة، ولكنهم لا يطبقونها باستمرار. هذه الفجوة لا تُحل بمزيد من التدريبات النظرية أو اللوائح الإضافية، بل تحتاج إلى فهم منظومي للعوامل المؤثرة على السلوك.
ما هو نموذج Make it Happen في السلامة والصحة المهنية؟
قد تتساءل: من أين جاء هذا النموذج؟ وربما تكون قد بدأت بالفعل في البحث عنه على الإنترنت دون أن تجد له مرجعًا واضحًا.
الحقيقة أنني تعرّفت على نموذج Make it Happen خلال دراستي للماجستير، في مقرر عن القيادة والسلامة القائمة على السلوك (Leadership & Behavior-Based Safety)، وكان مصدره الأساسي عرضًا تقديميًا صادرًا عن مختبر الصحة والسلامة البريطاني (Health & Safety Laboratory – HSL).
لم أعثر له على حضور واسع في المراجع المتاحة، ولهذا تعمّدت أن أُبقي الحديث عنه عامًا بعض الشيء، لأن الفكرة نفسها، في رأيي، أكبر من مرجع واحد.
ما جذبني فيه أنه لا يكتفي بـ”تذكير الناس بأن يكونوا حذرين”، بل يُحلّل ثلاثة مستويات أساسية تؤثر في القرار البشري داخل بيئة العمل: الفرد، والمُهمّة، والمُنظّمة. إنه ليس شعارًا تحفيزيًا، بل إطار تحليلي عملي يمكن قياسه وتطبيقه بشكل منهجي، ويستند إلى أبحاث علم النفس الصناعي (Industrial Psychology) ونظريات إدارة السلوك التنظيمي (Organizational Behavior Management). وبصراحة، حين درسته شعرت أنه واقعي فعلًا لأي شخص يريد أن يغيّر طريقة تفكيره وأسلوبه في العمل، وهو ما دفعني لمشاركته في هذا المقال.
المبادئ الأساسية للنموذج
يقوم النموذج على مبدأ أن السلوك الآمن نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل أساسية، وأن غياب أي عامل منها سيجعل السلوك الآمن مستحيلًا أو غير مستدام. هذا المنهج يختلف جذريًا عن الأساليب التقليدية التي تركز على عامل واحد فقط، عادة ما يكون التدريب أو الإجراءات.
المستوى الأول: Can it Happen؟ (هل يمكن أن يحدث؟)
هذا المستوى يتعامل مع البيئة المؤسسية (Organizational Environment) والسؤال الأساسي: هل بيئة العمل تسمح بحدوث السلوك الآمن؟ هنا نحلل العوامل البيئية والتنظيمية التي تسهل أو تعيق السلوك الآمن.
تصميم الوظيفة والعمليات
السؤال الأول: هل صممت الوظيفة بطريقة تجعل القرار الآمن هو الأسهل؟ في كثير من المواقع، نجد أن الطريقة “السريعة” لإنجاز المهمة هي الطريقة غير الآمنة. على سبيل المثال، إذا كانت نقطة الإطفاء بعيدة عن منطقة اللحام، فسيميل العامل إلى تجاهل إجراءات مكافحة الحريق.
هنا يأتي دور مبادئ الهندسة البشرية (Human Factors Engineering) في تصميم بيئة العمل بحيث تجعل السلوك الآمن هو الخيار الطبيعي والأسهل للعامل.
توفر المعدات والأدوات
هل المعدات متاحة وسهلة الاستخدام؟ هذا السؤال يبدو بسيطًا، لكنه أساسي. عندما تكون معدات الحماية الشخصية (PPE) غير متوفرة، أو صعبة الاستخدام، أو غير مريحة، فإن العامل سيواجه صراعًا بين تطبيق السلامة وإنجاز العمل.
الحل يكمن في تطبيق مبادئ اختيار وإدارة معدات الحماية الشخصية وفقًا لمعايير ANSI وOSHA، مع مراعاة راحة المستخدم وسهولة الصيانة.
دعم القيادة تحت الضغط
هل القيادة تدعم السلامة تحت ضغط الإنتاج؟ هذا أحد أكبر التحديات في المواقع الصناعية. عندما تكون هناك مواعيد نهائية ضاغطة، أو أهداف إنتاج عالية، تظهر الأولويات الحقيقية للمنظمة.
القيادة الفعالة تطبق مبدأ “السلامة أولاً” حتى في أصعب الظروف، وتوفر الموارد اللازمة للعمل الآمن حتى لو كلف ذلك وقتًا أو مالاً إضافيًا.
وضوح الرسائل التنظيمية
هل الرسائل التنظيمية واضحة أم مزدوجة؟ الرسائل المزدوجة (Mixed Messages) من أخطر العوامل التي تدمر ثقافة السلامة. عندما تقول الإدارة “السلامة أولاً” بينما تضغط على العمال لإنجاز المهام بسرعة دون اتباع الإجراءات، فإن الرسالة الحقيقية واضحة: الإنتاج أهم من السلامة.
وتعد وظيفة هذا المستوى الأساسية هي إزالة العوائق التنظيمية والهندسية التي تجعل السلوك غير الآمن هو الخيار “الطبيعي”. لأنه باختصار، إذا لم يكن السلوك الآمن ممكنًا من الأساس، فلن تنجح أي حملة توعية أو إجراءات ورقية إضافية.
المستوى الثاني: Able to Happen؟ (قادر على الحدوث؟)
هذا المستوى يركز على قدرة الفرد الفعلية على تنفيذ السلوك الآمن. السؤال الأساسي: هل يمتلك الفرد المعرفة والمهارة اللازمة لتطبيق السلامة؟ هنا نتعامل مع الكفاءات (Competencies) والقدرات الفردية.
فهم طبيعة المخاطر
هل يفهم العامل طبيعة الخطر (Hazard)؟ الفهم الحقيقي للمخاطر يتجاوز مجرد معرفة أن “هذا خطر”. يشمل فهم آلية حدوث الضرر، والعوامل المؤثرة، وطرق الانتشار أو التفاقم.
على سبيل المثال، العامل الذي يتعامل مع المواد الكيميائية يجب أن يفهم مسارات التعرُّض (Routes of Exposure) ، الاستنشاق، الامتصاص عبر الجلد، البلع ، وليس فقط أن “هذه المادة خطرة”.
إدراك العواقب الحقيقية
هل يعرف العواقب الحقيقية؟ كثير من العمال يعرفون أن عدم ارتداء الخوذة “خطر”، لكنهم لا يدركون التفاصيل المؤلمة لإصابات الرأس، أو التأثير على الأسرة والمستقبل المهني. الفهم العميق للعواقب يزيد من الدافعية للسلوك الآمن.
التدريب العملي والمهارات
هل تدرب عمليًا على كيفية التصرف؟ الفرق شاسع بين معرفة الإجراء نظريًا وبين القدرة على تطبيقه تحت ضغط العمل الفعلي. التدريب العملي (Hands-on Training) أساسي لبناء الكفاءة الحقيقية.
هذا يشمل تدريبات المحاكاة (Simulation Training)، والتدريب على الاستجابة للطوارئ، والتدريب على استخدام المعدات في بيئة آمنة قبل التعامل مع المخاطر الحقيقية.
مهارات التواصل والتدخل
هل يمتلك مهارات التواصل والقدرة على إيقاف العمل عند الحاجة؟ هذه المهارات الناعمة (Soft Skills) غاية في الأهمية. العامل يجب أن يكون قادرًا على:
- إبلاغ زملائه عن المخاطر بطريقة فعالة
- إيقاف العمل عندما يرى خطرًا وشيكًا
- طلب المساعدة عندما لا يكون متأكدًا من الإجراء الصحيح
- الإبلاغ عن الحوادث والحوادث الوشيكة (Near Miss) دون خوف
وهنا نركز على تحويل السلامة من “معلومة” إلى “كفاءة قابلة للتطبيق”. لأن معرفة الإجراء شيء، والقدرة على تطبيقه تحت ضغط العمل شيء آخر تمامًا.
هذا المستوى يتطلب استخدام أساليب تقييم الكفاءة (Competency Assessment) المبنية على الأداء، وليس فقط الاختبارات النظرية.
المستوى الثالث: Want it to Happen؟ (الرغبة في الحدوث؟)
هذا المستوى الأكثر تعقيدًا يتعامل مع الدافعية الداخلية والثقافة التنظيمية. السؤال الأساسي: هل توجد دافعية حقيقية لتطبيق السلوك الآمن؟ وهنا نتعامل مع الثقافة والتحفيز والعوامل النفسية.
الشعور بأولوية السلامة
هل يشعر العامل أن السلامة أولوية فعلية؟ هذا الشعور لا يأتي من الشعارات المعلقة على الجدران، بل من الأفعال اليومية للإدارة. عندما يرى العامل أن الإدارة تستثمر في معدات السلامة، وتوقف العمل عند وجود خطر، وتكافئ السلوك الآمن، فإنه يدرك أن السلامة أولوية حقيقية.
القدوة في القيادة
هل يرى قادته يلتزمون بما يطلبونه منه؟ القيادة بالقدوة (Leading by Example) أساس ثقافة السلامة القوية. عندما يرى العمال أن المشرفين والمديرين يلتزمون بنفس قواعد السلامة، فإن ذلك يبني الاحترام والثقة.
على العكس، عندما يرى العمال أن القيادة تتجاهل قواعد السلامة “لأنهم مسؤولون”، فإن ذلك يدمر أي جهود لبناء ثقافة سلامة قوية.
ثقافة الإبلاغ والتعلم
هل يتم تقدير الإبلاغ عن الأخطاء أم معاقبته؟ هذا جانب حاسم في ثقافة السلامة. المنظمات ذات الثقافة القوية تطبق مبدأ “ثقافة العدالة” (Just Culture) حيث يتم التمييز بين الأخطاء البشرية الطبيعية والإهمال المتعمد.
العمال يجب أن يشعروا بالأمان عند الإبلاغ عن الأخطاء أو الحوادث الوشيكة، لأن هذا الإبلاغ فرصة ذهبية للتعلم والتحسين.
الثقة المتبادلة
هل توجد ثقة بين الإدارة والموقع؟ الثقة هي أساس أي نظام سلامة فعال. بدون ثقة، ستجد أن العمال:
- يخفون المشاكل خوفًا من اللوم
- يطبقون الإجراءات بشكل شكلي عند وجود الإشراف فقط
- لا يقدمون اقتراحات تحسين
- لا يتعاونون في التحقيقات
الوظيفة الأساسية لهذا المستوى هي جعل السلوك الآمن اختيارًا داخليًا، وليس مجرد استجابة مؤقتة للرقابة. يمكن أن يكون السلوك ممكنًا، ويمكن أن يكون الشخص قادرًا عليه، لكن بدون دافعية حقيقية، لن يحدث بشكل مستدام.
الأخطاء الشائعة في تطبيق نماذج السلوك
رغم أن نماذج تحليل السلوك مثل Make it Happen توفر إطارًا عمليًا لفهم أسباب التصرفات غير الآمنة، إلا أن تطبيقها بشكل غير صحيح قد يؤدي إلى نتائج محدودة. ومن أكثر الأخطاء شيوعًا:
التركيز على مستوى واحد فقط
من أكبر الأخطاء التعامل مع السلوك كأنه مشكلة فردية فقط. فقد تقوم المنظمة بزيادة التدريب والتوعية (Able) بينما تظل بيئة العمل أو أنظمة التشغيل تعيق السلوك الآمن (Can)، أو تفتقد المنظمة إلى تعزيز الدافعية والثقة (Want). في هذه الحالة قد يظهر التحسن لفترة قصيرة ثم يعود السلوك السابق.
إهمال القياس والمتابعة
تطبيق أي تدخّل سلوكي بدون قياس تأثيره يجعل المنظمة غير قادرة على معرفة ما إذا كان الحل فعالًا أم لا. يجب تحديد مؤشرات واضحة قبل وبعد التدخل، ومراجعة النتائج بشكل دوري للتأكد من أن التغيير أصبح جزءًا من الممارسة اليومية.
عدم مراعاة الفروق الفردية
لا توجد بيئة عمل أو فريق متطابق تمامًا مع الآخر. تختلف السلوكيات حسب طبيعة المهمة، مستوى الخبرة، ضغط العمل، الثقافة التنظيمية، وطريقة القيادة. لذلك يجب تطبيق النموذج بمرونة، مع تحليل الأسباب الحقيقية قبل اختيار الحل المناسب.
التركيز على تغيير الأفراد فقط بدل تحسين النظام
من الأخطاء الشائعة أيضًا اعتبار أن الحل دائمًا هو “تغيير سلوك العامل”، بينما قد يكون السبب الحقيقي في تصميم العملية أو توفر الموارد أو الرسائل المتضاربة من الإدارة. السلوك الآمن المستدام يحتاج إلى تحسين المنظومة التي تؤثر على قرارات الأفراد.
الأسئلة الشائعة
ما هو نموذج Make it Happen للسلامة المهنية؟
نموذج Make it Happen هو إطار تحليلي عملي لفهم وتغيير سلوكيات السلامة ضمن منهج Behavior-Based Safety (BBS)، ويعتمد على ثلاثة مستويات أساسية: Can it Happen (إمكانية الحدوث من البيئة التنظيمية)، Able to Happen (قدرة الفرد على التطبيق)، و Want it to Happen (الدافعية الحقيقية للتطبيق).
تفشل بعض الأنظمة التقليدية لأنها تركز على الجوانب التقنية والإجرائية فقط، بينما تتجاهل العوامل السلوكية والبشرية. لذلك تعتمد منهجيات Behavior-Based Safety على فهم الظروف التي تؤثر على قرارات العاملين وليس فقط مراقبة الأخطاء بعد حدوثها.
يمكن قياس فعالية النموذج من خلال مؤشرات لكل مستوى: توفر المعدات ودعم الإدارة للمستوى الأول، نتائج تقييم الكفاءة ومعدل الأخطاء للمستوى الثاني، ومستوى المشاركة والإبلاغ عن المخاطر للمستوى الثالث، وهي نفس المبادئ التي تعتمد عليها برامج Behavior-Based Safety الناجحة.
تتطلب امتحانات ASP وCSP فهمًا عميقًا لعلوم السلوك التطبيقي، وإدارة الأنظمة، وتحليل أسباب الحوادث. لذلك يساعد نموذج Make it Happen محترفي السلامة على فهم تطبيقات Behavior-Based Safety وتحويل المفاهيم النظرية إلى ممارسات عملية.
تشمل الأخطاء الشائعة التركيز على مستوى واحد فقط، مثل التدريب، مع تجاهل بيئة العمل أو الدافعية، بالإضافة إلى إهمال القياس والمتابعة. تطبيق Behavior-Based Safety الفعّال يحتاج إلى تحليل متكامل للعوامل المؤثرة على السلوك.
يركز النموذج على تحسين المنظومة التي تصنع القرار بدلًا من لوم الأفراد. فهو يتعامل مع السلوك الآمن كنتيجة لتفاعل البيئة والقدرات والدافعية، وهو جوهر منهج Behavior-Based Safety في إدارة السلامة الحديثة.



