الرادون (Radon) وأثره على جودة الهواء الداخلي (IAQ)

المحتويات

في مجال السلامة والصحة المهنية وسلامة المنشآت، تُعتبر جودة الهواء الداخلي (Indoor Air Quality – IAQ) من الجوانب الأساسية التي يجب مراقبتها بانتظام لضمان بيئة عمل وسكن صحية. من بين الملوثات التي لا تُرى أو تُشم ولكنها خطيرة جدًا، يبرز غاز الرادون (Radon) كواحد من أهم الملوثات التي تؤثر على جودة الهواء الداخلي وتُسبب مخاطر صحية كبيرة، خاصة سرطان الرئة.
ولهذا السبب، تم إدراج موضوع الرادون ضمن محتوى اختبار ASP11 الخاص بالسلامة المهنية، لتسليط الضوء على أهمية فهم هذا الخطر الخفي، وكيفية قياسه والتحكم فيه لضمان بيئة آمنة داخل المباني.

ما هو غاز الرادون؟ ومن أين ينتُج؟

الرادون هو غاز نبيل (Noble Gas)، عديم اللون والرائحة والطعم، يتكوّن طبيعيًا نتيجة التحلُّل الإشعاعي لعنصر اليورانيوم-238 (Uranium-238) الموجود في معظم أنواع التربة والصخور. خلال سلسلة التحلل، ينتج الراديوم-226 (Radium-226) الذي يتحلّل بدوره ليُطلق غاز الرادون، الذي ينبعث من باطن الأرض إلى الهواء ثم يتسلل إلى المباني من خلال الفتحات والشقوق في الأساسات والجدران الأرضية.

قبل عام 1983، كان يُعتقد أن مشكلة الرادون تنحصر فقط في المناطق القريبة من مناجم اليورانيوم، لكن الأبحاث أثبتت لاحقًا أن الراديوم موجود بدرجات متفاوتة في كل أنواع التربة تقريبًا، ما يعني أن الخطر يمكن أن يكون حاضرًا في أي مكان.

الرادون قد يتواجد أيضًا في:

  • المياه الجوفية التي تمر عبر صخور غنية بالراديوم أو الجرانيت.

  • مواد البناء المصنعة من أحجار تحتوي على بقايا إشعاعية.

  • المنشآت الواقعة في مناطق ذات تربة جرانيتية أو شقوق جيولوجية.

ما هو الخطر الحقيقي للرادون

الخطورة الأساسية في الرادون تكمُن في منتجات تحلله (Radon Progeny)، وهي جسيمات مُشعّة تلتصق بجزيئات الغبار في الهواء. عند استنشاقها، تستقر هذه الجسيمات في الشعب الهوائية والرئتين وتبدأ بإصدار جسيمات ألفا (Alpha Particles)، التي تسبب تلفًا مباشرًا في الخلايا. على المدى البعيد، تؤدي هذه التغيرات إلى نشوء أورام سرطانية، وخصوصًا سرطان الرئة.

وما يزيد الأمر خطورة، هو أن الرادون لا يُسبّب أعراضًا فورية. ليس هناك صداع، ولا تهيُّج، ولا شعور بالاختناق، كما هو الحال مع ملوثات أخرى. وهذا ما يجعله “قاتلًا صامتًا”.

وفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA):

 

  • الرادون هو ثاني سبب رئيسي لسرطان الرئة في الولايات المتحدة بعد التدخين.

  • يُسبب ما يُقارب 21,000 وفاة سنويًا بسرطان الرئة، منها حوالي 2,900 حالة بين غير المدخنين.

العلاقة بين الرادون والتدخين

إذا كان الشخص مُدخنًا، فإن الخطر لا يتضاعف فقط، بل يتضاعف بدرجة كبيرة نتيجة التأثير التآزري (Synergistic Effect) بين الرادون والدخان الثانوي (Environmental Tobacco Smoke – ETS).

وهذا يعني أن التعرّض لكل من الرادون ودخان التبغ في نفس الوقت لا يضيف فقط نسبة خطر إضافية، بل يجعل التأثير مُركبًا وأكثر فتكًا.

على سبيل المثال:

  • شخص مُدخّن يتعرض لتركيز 4 pCi/L من الرادون لديه احتمال وفاة حوالي 62 من كل 1000.

  • بينما غير المُدخّن في نفس البيئة لديه احتمال وفاة فقط 7 من كل 1000.

أين يظهر الرادون بكثافة؟

التركيز الأعلى للرادون يوجد غالبًا في:

  • الطوابق الأرضية والأقبية (Basements).

  • المباني ذات التهوية الضعيفة.

  • المنازل المبنية بمواد تحتوي على بقايا مشعة.

  • المناطق الجيولوجية الغنية بالجرانيت أو الفوالق الأرضية.

في أمريكا مثلًا:

  • المتوسط الداخلي لتركيز الرادون: 1.3 pCi/L.

  • المتوسط الخارجي: 0.4 pCi/L.

  • الحد الذي توصي EPA بعدم تجاوزه: 4 pCi/L.

كيف يمكن قياس الرادون؟

اختبار الرادون سهل نسبيًا ومتاح، ويمكن لأي شخص طلب مجموعة اختبار منزلية. هناك عدة وسائل وأجهزة معتمدة لرصد الرادون، منها:

  • Charcoal Canisters: تجمع الغاز لعدة أيام

  • Alpha-Track Detectors: مناسبة للرصد طويل المدى.

  • Continuous Radon Monitors: تقيس التركيز اللحظي بدقة.

ما هي الإجراءات التي يمكن اتّباعها للتقليل من خطر الرادون؟

عند اكتشاف تركيز مرتفع من غاز الرادون داخل المنزل أو المنشأة، فإن التعامل مع هذا الخطر لا يحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما يحتاج إلى إجراءات مدروسة ومبنية على توصيات الجهات المختصة مثل وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA). من أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها هي تحسين التهوية، خاصة في الطوابق الأرضية التي تُعد الأقرب إلى مصادر انبعاث الرادون في التربة، وذلك لتقليل تركّز الغاز في الهواء الداخلي.

كما يجب إغلاق الشقوق والفتحات في الأرضيات والجدران، والتي تُعتبر ممرات محتملة لتسرب الغاز من التربة إلى داخل المبنى. يُنصح كذلك باستخدام مواد بناء قليلة الإشعاع أو خالية منه، خصوصًا في المنشآت الجديدة، لتقليل فرصة انبعاث الرادون من المواد نفسها.

أما في حال كان مصدر الرادون هو المياه، فينبغي فحص مصدر المياه وتغييره إذا ثبت تلوثه، أو معالجته باستخدام تقنيات مثل التهوية أو وحدات الفحم النشط (Activated Charcoal) التي تقلل من وجود الغاز قبل استخدام المياه داخل المبنى.

وفي الحالات التي تنبعث فيها الإشعاعات من الجدران أو مواد البناء، يمكن طلاء الأسطح بمواد مانعة للتسرب مثل طلاء الإيبوكسي (Epoxy Sealants) للمساعدة في الحد من تسرب الغاز إلى الجو الداخلي.

تجدر الإشارة إلى أن وكالة الحماية البيئية الأمريكية (EPA) توفر أدلة وإرشادات شاملة حول كيفية السيطرة على الرادون وخفض مستوياته، سواء في المنشآت القائمة أو أثناء تصميم المباني الجديدة، مما يجعل هذه الإجراءات سهلة التطبيق إذا تم اتباعها بالشكل الصحيح.

خاتمة

كأخصائيي سلامة وصحة مهنية، من مسؤوليتنا ألا نغفل عن الملوثات غير المرئية مثل غاز الرادون، خاصة عندما نعمل في بيئات مغلقة أو نُقيّم جودة الهواء الداخلي (IAQ). إدراك وجود هذا التهديد الصامت واتخاذ خطوات استباقية لقياس مستوياته والحد من تأثيره يجب أن يُدرج ضمن برامجنا الوقائية وخططنا الرقابية. فسلامة المنشآت لا تقتصر على المخاطر الظاهرة فحسب، بل تشمل أيضًا ما لا يُرى ولا يُشم، ولكنه قد يكون قاتلًا ببطء.

نشر الوعي، وتضمين هذه المعارف ضمن محتوى التدريب والاختبارات المهنية، مثل ما تم في اختبار ASP – وهو ما يتم تقديمه على موقعنا في دورة الإعداد لاختبارات ASP/CSP – ليس خيارًا بل ضرورة مهنية وأخلاقية.

المصادر لهذه المقالة:

https://www.epa.gov/radon/health-risk-radon
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/radon-and-health
The Occupational Environment: Its Evaluation, Control, and Management, 3rd edition
شارك المَقال:

موضوعات ذات صِلَة

👋 معرفة أعمَق وفُرَص تعليمية وخصومات حصرية في بريدك!

اشترك في نشرتنا المجانية للحصول على معرفة حصرية وأفكار مميزة.

Scroll to Top